ابن أبي مخرمة

177

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

أطلب ؟ ! قال : أنت معن بن زائدة ، فقلت : يا هذا ؛ اتق اللّه ، وأين أنا من معن ؟ ! فقال : دع هذا ، فو اللّه ؛ إني لأعرف بك منك ، فلما رأيت منه الجد . . قلت : هذا عقد جوهر بأضعاف ما جعله المنصور لمن يأتيه بي ، فخذه ولا تكن سببا في سفك دمي ، فنظر إلى العقد وقال : صدقت في قيمته ، ولست قابله حتى أسألك عن شيء ، فإن صدقتني . . أطلقتك ، فقلت : قل ، فقال : إن الناس قد وصفوك بالجود ؛ فهل وهبت مالك كله قط ؟ قلت : لا ، قال : فنصفه ؟ قلت : لا ، قال : فثلثه ؟ قلت : لا ، حتى بلغ العشر ، فاستحييت فقلت : أظن أني قد فعلت ذلك ، قال : ما ذاك بعظيم ، أنا واللّه راجل ورزقي من المنصور كل شهر عشرون درهما ، وهذا الجوهر قيمته ألف دينار ، وقد وهبته لك ، ووهبتك نفسك لجودك المأثور بين الناس ، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك ؛ فلا تعجبك نفسك ، ولتحتقر بعد هذا كل شيء تفعله ، ولا تتوقف عن مكرمة ، ثم رمى العقد في حجري ، وترك خطام البعير ، وولى منصرفا ، فقلت له : يا هذا ؛ قد واللّه فضحتني ، ولسفك دمي أهون عليّ مما فعلت ، فخذ ما دفعته لك ، فضحك وقال : أردت أن تكذبني في مقالي هذا ، واللّه ؛ لا أخذته ، ولا آخذ لمعروف أبدا ، ومضى لسبيله ، قال : واللّه ؛ لقد طلبته بعد أن أمنت ، وبذلت لمن يجيء به ما شاء ، فما عرفت له خبرا ، وكأن الأرض ابتلعته . ولي معن اليمن مدة ، ثم ولي سجستان في آخر عمره ، وله فيها آثار ، وقصده الشعراء بها ، فبينا هو في داره يحتجم والصناع يعملون له شغلا . . اندس بينهم قوم من الخوارج ، فقتلوه وهو يحتجم في سنة إحدى - أو اثنتين أو ثمان - وخمسين ومائة ، فتبعهم ابن أخيه يزيد بن مزيد بن زائدة فقتلهم بأسرهم ، ورثى معنا الشعراء بأحسن المراثي ، ومن ذلك قول مروان بن أبي حفصة : [ من الوافر ] مضى لسبيله معن وأبقى * مكارم لن تبيد ولن تنالا كأن الشمس يوم أصيب معن * من الإظلام ملبسة جلالا هو الجبل الذي كانت نزار * تهدّ من العدو به الجبالا تعطلت الثغور لفقد معن * وقد يروى بها الأسل النهالا وأظلمت العراق وأورثتنا * مصيبته المجللة اختلالا وظل الشام يرجف جانباه * لركن العزّ حين وهي فمالا وكادت من تهامة كلّ أرض * ومن نجد تزول غداة زالا